المقريزي

134

المقفى الكبير

ففعل ، فخرج فيروز فأحلّ الناس من ودائعه ، وأعتق رقيقه وتصدّق بماله . ثمّ ردّ إلى الحجّاج فقال : شأنك الآن ، فاصنع ما شئت ! فشدّ في القصب الفارسيّ ، ثمّ سلّ حتّى شرح ، ثمّ نضح بالخلّ والملح ، فما تأوّه حتّى مات . * * * ويروى عن ابن هبيرة قال : إنّا لنتغدّى مع الحجّاج يوما إذ جاءه رجل من بني سليم برجل يقوده ، فقال : أصلح اللّه الأمير ، إنّ هذا عاص . فقال له الرجل : أنشدك اللّه أيّها الأمير في دمي . فو اللّه ما قبضت إيوانا قطّ ، ولا شهدت عسكرا . وإنّي لحائك أخذت من تحت الحفّ « 1 » ، فقال : « اضربوا عنقه » . فلمّا أحسّ بالسيف سجد ، فلحقه السيف وهو ساجد ، فأمسكنا عن الأكل . فأقبل الحجّاج فقال : ما لي أراكم صفرت أيديكم « 2 » واصفرّت وجوهكم وحدّ نظركم من قتل رجل واحد ؟ إنّ العاصي يجمع خلالا تخلّ بمركزه ويعصي أميره ويغرّ المسلمين من نفسه ، وهو بعد أجير لكم ، وإنّما يأخذ الأجرة لما يعمل ، والوالي مخيّر فيه ، إن شاء قتل ، وإن شاء عفا . [ بين الحجّاج والمهلّب ] ولمّا هزم المهلّب بن أبي صفرة قطريّ بن الفجاءة ، كتب إلى الحجّاج : الحمد للّه الكافي بالإسلام فقد ما سواه ، الذي وصل المزيد بالشكر والنّعمة بالحمد ، وقضى ألّا ينقطع المزيد منه حتى ينقطع الشكر من عباده . أمّا بعد ، فكان من أمرنا ما قد بلغك ، وكنّا نحن وعدوّنا على حالتين مختلفتين : يسرّنا منهم أكثر ممّا يسوءنا ، ويسوءهم منّا أكثر ممّا يسرّهم ، على اشتداد شوكتهم . فقد كان علن أمرهم حتى ارتاعت له القناة ، ونوّم به الرضيع ، فانتهزت منهم الفرصة في وقت إمكانها ، وأدنيت السواد من السواد حتّى تعارفت الوجوه . فلم تزل كذلك حتى بلغ الكتاب أجله ، فقطع دابر القوم الذين ظلموا ، والحمد للّه ربّ العالمين . فكتب إليه الحجّاج : أمّا بعد ، فإنّ اللّه قد فعل بالمسلمين خيرا ، وأراحهم من حدّ الجهاد ، وكنت أعلم بما فيك ، والحمد للّه ربّ العالمين . فإذا ورد عليك كتابي ، فأقسم في المجاهدين فيئهم ، ونفّل الناس على قدر بلائهم ، وفضّل من رأيت تفضيله . وإن كانت بقيت من القوم بقيّة ، فخلّف خيلا تقوم بإزائهم ، واستعمل على كرمان من رأيت ، وولّ الخيل شهما من ولدك ، ولا ترخّص لأحد في اللّحاق بمنزله دون أن تقدم بهم عليّ ، وعجّل القدوم إن شاء اللّه . فولّى المهلّب ابنه يزيد كرمان ، وقدم على الحجّاج ، فأجلسه إلى جانبه وأكرمه وقال : يا أهل العراق ، أنتم عبيد المهلّب . [ 335 أ ] ثمّ قال : واللّه كما قال لقيط الإياديّ [ البسيط ] « 3 » : وقلّدوا أمركم للّه درّكم * رحب الذراع بأمر الحرب مضطلعا لا يطعم النوم إلّا ريث يبعثه * همّ يكاد حشاه يقصم الضلعا لا مترفا إن رخاء العيش ساعده * ولا إذا عصّ مكروه به خشعا ما زال يحلب هذا الدهر أشطره * يكون متّبعا طورا ومتّبعا

--> ( 1 ) حاشية في الهامش : الحفّ بغير هاء : النسج ، والحفّة : الخشبة التي يلفّ عليها الحائك الثوب . ( 2 ) حاشية أيضا : صفرت : أي : خلت من الطعام . ( 3 ) حاشية في الهامش : لقيط بن معمّر . قال هذا الشعر يحرّض قومه ويحذّرهم كسرى . والأبيات في الأغاني 22 / 393 ، وفي العقد 5 / 268 .